ابن قيم الجوزية
378
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الْكافِرِينَ وهذا كثير في القرآن . فصل وقوله تعالى : 20 : 124 وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى . قالَ : رَبِّ ، لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ؟ اختلف فيه : هل هو من عمى البصيرة ، أو من عمى البصر ؟ والذين قالوا : هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله : 19 : 38 أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا وقوله : 50 : 22 لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وقوله : 25 : 22 يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وقوله : 102 : 6 ، 7 لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ونظائر هذا مما أثبت لهم الرؤية في الآخرة . كقوله تعالى : 42 : 45 وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وقوله : 52 : 13 ، 14 يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا . هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ؟ وقوله : 18 : 53 وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها . والذين رجحوا أنه من عمى البصر قالوا : السياق لا يدل إلا عليه . لقوله : 20 : 124 قالَ : رَبِّ ، لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً وهو لم يكن بصيرا في كفره قط ، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق ، فكيف يقول : وقد كنت بصيرا ؟ وكيف يجاب بقوله : 20 : 125 كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من عمى البصر ، وأنه جوزي من جنس عمله . فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث اللّه به رسوله وعميت عنه بصيرته : أعمى اللّه بصره يوم القيامة . وتركه في العذاب ، كما ترك هو الذكر في الدنيا ، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة . وعلى تركه ذكره تركه في العذاب .